هذا الموقع شخصي وليس دعائي...ولا يمول من أي جهة كانت أو أي شخص...وجميع المادة التي ستنشر هنا هي من عملي ومن خلاصة تجربتي الشخصية ورحلتي المعرفية والعلمية المتواضعة
 



المركزية واللامركزية
 
 

المركزية هكذا كما يبدوا من أصل العبارة هي تعبير عن مركزة الأشياء، وهي أقرب من الناحية العملية إلى تلك الفلسفة القائمة على تمركز السلطان أو السلطات في الإدارة والتسيير وتوصف من هذه الناحية الأنظمة ذات الطبيعة التحكمية خارج الإرادة العامة وفعل الإرادة العامة بأنها أنظمة مركزية كما توصف أساليب الإدارة والتسيير التي ترتبط بتلك الأنظمة وتنشأ عنها بالمركزية ترتيباً على الأوضاع والصيغ التي تنشئها؛ ولأنّ المركزية هي أسلوب في الإدارة والتسيير فإنّها تمثل جزءاً من كلية النظام العملي المعاش، وهي في الأغلب حاجة سياسية واقتصادية إذا ما علمنا أنّ سوس الشأن العام مرتبط بالمركز أو بالسلطة التي تمتلك القرار والتشريع، وبالتالي فإننا نلحظ أنّ كافة المحاولات التي بُدلت في واقع تلك الأنظمة للتخلص من المركزية أو الحدّ من آثارها السلبية والتجاوب مع التطورات التي يشهدها واقع الحياة خاصة على مستوى تقنية الإدارة والخدمات تصطدم دائماً وأبداً مع مركزية السلطان، ويعدّ مطلب اللامركزية من هذه الناحية هو من بين المطالب الملحة والمتجددة


 
 

والتي لم تجد لها طريقاً إلى التطبيق العملي على الرغم من إدخال إصلاحات وتهذيبات عديدة خاصة على مستوى تقديم الخدمات، لكنّ ذلك اصطدم هو الآخر بعوائق عديدة يأتي في مقدمتها عائق رسملة الخدمة وتقييدها بشروط من هذا النوع لا تتيح لكلّ أصحاب الحاجات لهذه الخدمات الوصول إليها أو إشباعها بالقدر الذي يُحقّق رغباتهم، كما إنّ إجراءات نقل الإدارة من المركز إلى القاعدة أو الأطراف اصطدم هو الآخر في ظلّ تلك الأوضاع التي أنشأتها تلك الأنظمة بمشكلة اللامركزية الإدارة في مقابل مركزية شروط الإدارة التي تتقرر من المركز، ولقد كان مطلب التسيير الذاتي في بعض الدول التي تعاني من هيمنة الفكر التقليدي في التسيير بمثابة التوجه التلفيقي الإصلاحي ليس إلا؛ لأنّ التسيير الذاتي اصطدم وللوهلة الأولى بمركزية السلطة والقرار، وبالتالي فهو لم يُقدّم أي جديد على صعيد الواقع العملي المعاش.

إذاً وكما نلحظ.. المركزية هي وليدة الأنظمة التسلطية وهي الأسلوب الوحيد الذي يمكن أن يدار به الشأن العام بالنسبة لتلك الأنظمة، ومهما تصورنا غير ذلك فلن نجد سوى إصلاحات وتهذيبات لا تُحقّق أي قدر من التحول عن المركزية، ولقد أجمع المتتبعون لهذه الظاهرة والآثار السلبية الناجمة عنها عن أنّ التخلص من المركزية لابد وأن يترتب على قاعدة التخلص من مظاهر الاستحواذ الفردي والجماعي المحدود على السلطان، كذلك التخلص من مظاهر التحكم في الثروة والملكية التي هي الرديف الموضوعي للأنظمة التسلطية.

هكذا يكون مطلب اللامركزية مرهون بتغيرات عميقة وجذرية في بنية الأنظمة التقليدية، وهكذا يكون التجسيد العملي لمطلب اللامركزية قائماً على مبدأ انتقال الناس من واقع الخضوع والتحكم إلى مباشرة فعل السلطان وتقرير الشأن العام ـ أي بمعنى آخر اللامركزية هي تعبير عن الشعبية والسلطان الاجتماعي، وهكذا بتحقق هذه الفرضية ينعدم المبرر على وجود مركز أو مركزية تدار انطلاقاً منها الأشياء، وبتحقق هذه الفرضية أيضاً تصبح اللامركزية تعبير مباشر وحقيقي وعملي عن فلسفة التسيير الذاتي التي أُجهضت على مرّ التاريخ لوقوعها في ظروف وأوضاع ونظم لا تنسجم معها.

إذاً اللامركزية هي تعبير عن الشعبية في مباشرة فعل السلطة والتسيير الذاتي في الإدارة، لكنّ السؤال هنا هو عن اللامركزية بالنسبة لما يُلامس الناس في حياتهم العملية وهو الأهم ـ أي كيف يُمكن للناس أن تجني ثمار اللامركزية على المستويات الأدنى والأكثر التصاقاً بمطالب الحياة اليومية، وهذا هو الأهم وبيت القصيد، وللإجابة عن مثل هذا السؤال المصيري والملح نقول بأنّ تحقق فكرة اللامركزية من الناحية النظرية في المحتوى الفكري الذي يُعبّر عنها وتحقق بناءاتها أيضاً على مستوى إدارة الشأن العام لا ينبغي أن يكون هو نهاية المطاف أو هكذا يكون الاعتقاد ذلك أنّه إذا لم تنتقل الإدارة مثلاً من الطبيعة الرأسية إلى الطبيعة الأفقية وعملياً ـ أي أن تذهب بخدماتها إلى الناس وحيثما وجدوا ـ فإنّ اللامركزية عندها تكون مبتورة الغاية والهدف، كذلك الأمر ينسحب على منظومة تقديم الخدمات وعلى اختلافها فإذا لم تؤد اللامركزية وعملياً إلى تحسّن نوعي ومستمر في تقديم الخدمة للناس وعلى قاعدة تلبية أفضل الخدمات في أفضل الظروف وبأقصر الطرق وبأقل التكاليف فإنّ اللامركزية عندها أيضاً تكون بمثابة البدن الذي لا محتوى حقيقي له.

د. حامد سالم أبوجبيرة

 

الأسم  
البريد الالكتروني  
عنوان التعليق  
التعليق  
 


 




يوجد الآن 2 ضيف يتصفحون الموقع  



نهتــم بمعرفــة
أرائكــم وتقييمكم
لموقعنـــا
ممتــاز
جيــــــد
مقبـــول
ضعيـــف