هذا الموقع شخصي وليس دعائي...ولا يمول من أي جهة كانت أو أي شخص...وجميع المادة التي ستنشر هنا هي من عملي ومن خلاصة تجربتي الشخصية ورحلتي المعرفية والعلمية المتواضعة
 



الأمّية المتحولة
 
 

الأمّية كما نعرف ووفقاً لما هو شائع من معاني ودلالات مرتبطة بها تعني وفقط عدم إجادة الكتابة والقراءة معاً وأحياناً عدم إجادة أحد الاثنين ويقال فلان أمّي ـ أي بمعنى أنّه لا يجيد الكتابة ولا القراءة ـ وعلى هذا الأساس جرى التمييز لغوياً واصطلاحياً بين الأمّية والجهل؛ لأنّ الجهل معناه عدم المعرفة.

إذاً هكذا فالأمّية هي تعبير عن خانة أولئك الذين لا يقرأون أبجدية الحروف ولا يعرفون طرق وأساليب نظمها، ويمكن أن يكونوا وفق هذا الفهم هم من لم يتمكنوا من دخول المدرسة أو الالتحاق بالدروس التي تعنى بتعليم الكتابة والقراءة؛ ولأجل هذا تسعى الكثير من الدول إلى رفع شعار مكافحة الأمّية أو محو الأمّية وترعى عبر مؤسساتها المختصة العديد من البرامج التي تعمل على تحقيق هذا الشعار أو الهدف، ويُلاحظ وبمقاييس العصر الذي نعيشه أنّ الأمّية من هذه الناحية صارت تنحسر في عدد أفرادها شيئاً فشيئاً ولم نعد نرى غير كبار السنّ تقريباً من المشمولين بمستهدفاتها؛ لأنّ الأجيال اللاحقة وكلها على وجه الحصر تجاوزت مرحلة الأمية واستفادت


 
 

من مناخات وعوامل العصر ذاته في التغلب على أميته.

لكنّ السؤال الذي كان قد طُرح وبشكلٍ مرافق لميلاد هذا المصطلح (الأمّية) هو عن ما إذا كانت الأمّية هي فقط عدم إجادة القراءة والكتابة وفنونهما أم أنها شيء آخر أكثر شمولاً واتساعاً وتحولاً ومن وقت لآخر، ولربما كان الدافع الأول على إثارة مثل هذا السؤال هو كثرة مواضع الاقتران مع هذا المصطلح بأشياء أخرى من مثل أمّية علمية ـ أمّية تكنولوجية ـ أمّية اجتماعية،... وهكذا بحيث تظهر دلالات أخرى في الاستخدام اللغوي والاصطلاحي لمثل هذا المصطلح هي أشمل وأبلغ وأعمق مما نتصور أو نتخيل، فهناك أمّية علمية مثلاً وهذا معناه أنّ من يقعون تحت هذه الخانة هم من المتعلمين ـ لا بل كما يقولون من المتبحرين في العلم لغة ومعرفة واستنباطاً، لكنهم مع ذلك أمّيين من عند الحالة التي يكونون فيها أشبه بالآلة التي تتحرك بآلية مركّبة ومعدة سلفاً ووفق دورة اعتيادية دون أن تقدم جديداً، أو يكون لها أي تفاعل مع المحيط؛ لأنّها بالأساس آلة صماء ولا يوجد بها أي مكون من مكونات التفاعل مع المحيط ـ وهكذا لا يكفي المتعلم أن يكون عالماً ليمحو أمّيته إذا لم يتوج رحلة علمه وناتج جهده بإنسانية رفيعة وخلق قويم وعلم يُنتفع به وإبداع متجدد وخلاق ـ فكم من عالم أمّي... وكم من أمّي عالم.

إنّ الأمّية وفقاً للتحليل السابق ليست قدراً محتوماً ومسلطاً على رقاب من حرمتهم الظروف من الالتحاق بالمدرسة، كما أنّها ليست من طبيعة البشر الذين مُيزوا دون غيرهم من الكائنات بالعقل والتفكير والقدرة على التحليل والاستنباط، كذلك الأمّية ليست رديفة على إطلاق هذه العبارة؛ لعدم إجادة الكتابة والقراءة فكم ممّن لا يجيدون القراءة ولا الكتابة يمتلكون وفقاً لمقاييس العصر (دكتوراه فطرية) أي بمعنى أنهم يتفوقون على حملة أعلى الشهادات ومن درسوا بأعرق الجامعات والأكاديميات.

لكنّ الأهم في كلّ ذلك هو ليس فقط طبيعة الأمّية وتعريفاتها المتعددة ومن يقعون في خانتها قياساً على كل ذلك إنما المهم هو تحول الأمّية من وقت لآخر، وتحول الواقعين في خانتها من مستوى إلى آخر أيضاً ـ أي بمعنى وبحسابات العصر أنّ العارف اليوم قد يكون أمّياً في الغد... والأمّي اليوم قد يكون عارفاً في الغد، أمّا كيف؟ فيمكن لنا أن نسوق المثال التالي تدليلاً على قولنا هذا: فالعصر الذي نشهد تطوراته المتسارعة خاصة على الصعيد التقني الاتصالي والمعلوماتي نقل العديد من العارفين أو المتعلمين من جيل الأمس ـ للأسف ـ إلى خانة الأمّية ولنقل خانة الأمّية المعلوماتية الاتصالية بينما ـ وهذا هو المتغير الحقيقي ـ جعل من أميي اليوم وما أكثرهم أكثر دراية وعلماً وإجادة وتحكماً وسيطرة في تقنيات العصر، أروي حادثة صغيرة عن هذه الأمّية المتحولة وقعت لي عندما كنت في طريقي للسفر إلى دولة أعرفها منذ وقت طويل وكانت أحد مقومات قوة معرفتي هي إجادتي للغة السائدة في تلك الدولة، لكنني فوجئت بعد غياب لسنوات أنني في هذه الدولة كالأعشى في الليل البهيم... حيث تغيرت معظم الأشياء، ففي المطار كل المعاملات صارت تتم من خلال حركات الأزرار والبطاقات الممغنطة وحجز وسيلة المواصلات للتنقل إلى مكان الإقامة صار هو الآخر يتطلب بطاقة من نوع خاص، ورقم سري، وحجز مسبق عبر شبكة المعلومات الدولية للمقعد الذي سيجلس فيه الفرد بالسيارة، وما إذا كان سيسير عبر الطريق المفتوح أو المغلق... وهكذا، المهم كان حظي هو الوقوف في آخر الطابور والإسراع في استقدام مرشد ودليل، أمّا أبناء عصري الذين يملأون المكان فكأنهم يتعاملون مع أشياء ورثوها عن عصرهم وسبروا أغوارها وعرفوا كيف يتعاملون معها، إذاً ألست بأمّي عن جدارة واستحقاق وبرسم أمّية اسمها الأمّية المتحولة، اتفقنا أم اختلفنا فالموضوع مفتوح على جميع الاحتمالات، والأمّية نعتقد بأنّها في حاجة ماسّة إلى تفسيرٍ عصري وفهمٍ متطور ينهض بها ويُحدّد طبيعتها.

د. حامد سالم أبوجبيرة

 

الأسم  
البريد الالكتروني  
عنوان التعليق  
التعليق  
 


 




يوجد الآن 2 ضيف يتصفحون الموقع  



نهتــم بمعرفــة
أرائكــم وتقييمكم
لموقعنـــا
ممتــاز
جيــــــد
مقبـــول
ضعيـــف